أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

281

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

العوّاء . قوله : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ « قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص هنا وفي سورة الرعد « 1 » « يُغْشِي » مخففا من « أغشى » على « أفعل » . والباقون على التشديد من « غشّى » على « فعّل » ، فالهمزة والتضعيف كلاهما للتعدية ، أكسبا الفعل مفعولا ثانيا ، لأنه في الأصل متعد لواحد ، فصار الفاعل مفعولا . وقرأ حميد بن قيس « يغشى » بفتح الياء والشين ، « اللّيل » رفعا ، « النَّهارَ » نصبا ، هذه رواية الداني عنه . وروى ابن جني عنه نصب « اللَّيْلَ » ورفع « النهار » . قال ابن عطية : « ونقل ابن جني أثبت » . وفيه نظر من حيث أن الداني أعنى من أبي الفتح بهذه الصناعة ، وإن كان دونه في العلم بطبقات ، ويؤيد رواية الداني أيضا أنها موافقة لقراءة العامة من حيث المعنى ، وذلك أنه جعل « اللَّيْلَ » فاعلا لفظا ومعنى ، و « النَّهارَ » مفعولا لفظا ومعنى . وفي قراءة الجماعة « الليل » فاعل معنى ، و « النَّهارَ » مفعول لفظا ومعنى ، وذلك أن المفعولين في هذا الباب متى صلح أن يكون كل منهما فاعلا ومفعولا في المعنى وجب تقديم الفاعل معنى ، لئلا يلبس ، نحو : أعطيت زيدا عمرا ، فإن لم يلتبس نحو : « أعطيت زيدا درهما ، وكسوت عمرا جبة » جاز ، وهذا كما في الفاعل والمفعول الصريحين ، نو : ضرب موسى عيسى ، وضرب زيد عمرا . وهذه الآية الكريمة من باب أعطيت زيدا عمرا ، لأن كلا من « اللَّيْلَ » و « النَّهارَ » يصلح أن يكون غاشيا مغشيا ، فوجب جعل « اللَّيْلَ » في قراءة الجماعة هو الفاعل المعنوي ، و « النَّهارَ » هو المفعول من غير عكس ، وقراءة الداني موافقة لهذه ، لأنها مصرحة بفاعلية « اللَّيْلَ » ، وقراءة ابن جني مخالفة لها ، وموافقة الجماعة أولى . قلت : وقد روى الزمخشري قراءة حميد ، كما رواها أبو الفتح ، فإنه قال : « يغشّي » بالتشديد ، أي : يلحق اللّيل بالنهار ، أو النّهار باللّيل ، يحتملهما جميعا ، والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس « يغشى » بفتح الياء ، ونصب « اللَّيْلَ » ، ورفع « النهار » انتهى . وفيما قاله أبو القاسم نظر ، لما ذكرت لك من أن الآية الكريمة مما يجب فيها تقديم الفاعل المعنوي ، وكأن أبا القاسم تبع أبا الفتح في ذلك ، ولم يلتفت إلى هذه القاعدة المذكورة سهوا . قوله : يَطْلُبُهُ حال من « اللَّيْلَ » ، لأنه هو المحدث عنه ، أي : يغشي النهار طالبا له ، ويجوز أن يكون من « النَّهارَ » ، أي : مطلوبا ، وفي الجملة ذكر كل منهما . و « حَثِيثاً » يحتمل أن يكون نعت مصدر محذوف ، أي : طلبا حثيثا ، وأن يكون حالا من فاعل « يَطْلُبُهُ » ، أي : حاثا ، أو من مفعوله ، أي : محثوثا ، والحثّ : الإعجال والسرعة ، والحمل على فعل شيء ، كالحضّ عليه ، فالحثّ والحضّ أخوان ، يقال : حثثت فلانا فاحتثّ ، فهو حثيث ومحثوث . 2228 - تولّى حثيثا كأنّ الصّوا * ر يتبعه أزرقيّ لحم « 2 » فهذا يحتمل أن يكون نعت مصدر محذوف ، وأن يكون حالا ، أي : تولى توليا حثيثا ، أو تولى في هذه الحال . قوله : وَالشَّمْسَ قرأ ابن عامر هنا ، وفي النحل برفع « الشمس » وما عطف عليها ، ورفع « مسخّرات » ، وافقه حفص عن عاصم في النحل خاصة على رفع « والنّجوم مسخّرات » . والباقون بالنصب في الموضعين وقرأ أبان بن تغلب هنا برفع « النجوم » وما بعدها . فأما قراءة ابن عامر فعلى الابتداء والخبر ، جعلها جملة مستقلة بالإخبار بأنها مسخرات لنا من اللّه تعالى لمنافعنا . وأما قراءة الجماعة فالنصب في هذه السورة على عطفها على « السَّماواتِ » ، أي : وخلق الشّمس ، ويكون « مُسَخَّراتٍ » على هذا حالا من هذه المفاعيل ، ويجوز أن تكون هذه منصوبة ب « جعل » مقدرا ، فتكون هذه المنصوبات مفعولا أول ، و « مُسَخَّراتٍ » مفعولا ثانيا . وأما قراءة حفص في النحل

--> ( 1 ) آية ( 3 ) . ( 2 ) البيت للأعشى انظر ديوانه ( 91 ) ، التهذيب ( 3 / 427 ) ( حث ) اللسان ( حثث ) .